كلما تكلم السيد صفوت الشريف في السياسة شعرت بإهانة شخصية ، لأنه إذا كان مؤمنًا بما يقول أو مقتنعًا به ، فمعنى ذلك أنه يكون احتقارًا شديدًا للشعب المصري بأسره ، وأنا من بينهم ، وأنه يتعامل معه باعتباره شعبًا من البلهاء والمتخلفين عقليًا ، أما إذا لم يكن مقتنعًا بما يقول ، وكان مدركًا أن كلامه ليس سوى أكاذيب يضطر إلى ترديدها وتسويقها في كل مناسبة وحسب مقتضى الحال فالمصيبة تصبح أعظم . لأنه في الحالة الأولى سيكون صادقًا مع نفسه ومعبرًا عن قناعته ولكنه يخطئ فهم الناس ويسئ الظن بهم . أما في الحالة الثانية فإن الكارثة تصبح مضاعفة ، لأنه بما يقول يغالط نفسه إضافة إلى احتقاره للناس .
خذ مثلا الكلام الذي قاله لشباب عمال الحزب الوطني حين التقاهم في معسكر أبي قير بالإسكندرية ، وأبرزته صحيفة "الأهرام" على صفحاتها الأولى يوم الجمعة الماضي (27/7) إذا تحدث بصفته أمينًا عامًا للحزب الوطني فبشر العمال بأن المؤتمر العام التاسع سيكون نقطة تحول في مسيرة الحياة السياسية المصرية ، إذ سيتم فيه لأول مرة اختيار رئيس الحزب في انتخابات مفتوحة لجميع الأعضاء القادرين على تحمل المسئولية ، بشرط الحصول على تأييد 20 % من أعضاء المؤتمر البالغ عددهم 5500 عضو .
أضاف السيد الشريف الذي كان واضحًا أنه يتحدث بكل جدية وهدوء ، أن انتخابات رئاسة الحزب ستجرى بنظام الانتخاب السري ، وفي حالة حصول المرشح على نسبة 20 % دون منافس ، سيتم التصويت عليه أيضًا من جانب الأعضاء ، وحسب المنشور في الأهرام فإن السيد الشريف أكد في كلمته أن الحزب الوطني بهذا السلوك يريد أن يعطي القدوة لجميع الأحزاب في ديمقراطية القرار والعمل المؤسسي للحزب .
أرجوك أن تكتم الضحك ، وأن تؤجله لبعض الوقت ، وحاول أن تفكر فيما قاله الرجل ، دعك الآن من أنه ذكرنا بأن في البلاد شيئًا اسمهالحزب الوطني ، وأضاف إلى معلوماتنا أن الحزب يعقد مؤتمرات سنوية منذ ثماني سنوات ، من أجل مصر بطبيعة ، ولكن الشعب المصري الناكر للجميل لم يسمع بتلك المؤتمرات ، رغم أنها كانت علنية ولم تكن سرية ، ورغم أن التليفزيون والإذاعة والصحف القومية بثت أخبارها ونشرت كلمات المتحدثين فيها وصورهم ، ولكن ذلك كله انمحى من الذاكرة ، وكأن شيئًا منه لم يكن.
دعك من ذلك كله وركز في كلام الرجل وما قاله عن فتح باب الترشيح لرئاسة الحزب الوطني "أمام جميع القادرين على تحمل المسئولية" وكيف أن المرشح يجب أن يحصل على تأييد 20 % من أعضاء المؤتمر ورغم أن التكملة الطبيعية لكلامه هي أن يقول أن المرشحين الذين يستوفون الشروط سيتم الاقتراع بينهم وسيختار أعضاء المؤتمر العام أحدهم لرئاسة الحزب ، إلا أنه لم يعرض فكرته على ذلك النحو ، ولم يطاوعه لسانه أن يقول إن أكثر من واحد يمكن أن يفوز بتأييد 20 % من الأعضاء ، وأنهم سيتنافسون على المنصب لذلك قال إنه في حالة حصول المرشح على النسبة المقررة "دون منافس" سيتم طرح اسمه للتصويت عليه من جانب الأعضاء وهو ما اعتبره درسًا خصوصيًا مجانيًا من الحزب الوطني أراد به أن يعلم الأحزاب الأخرى كيف تكون ديمقراطية القرار ويقدم لهم نموذجًا في العمل المؤسسي .
بسبب افتراضه الغباء في مستمعيه واحتقاره لعقولهم ، فإنه تصور أنهم سيصدقون أن انتخابات ستجرى لرئاسة الحزب وأنهم سيظلون حيارى حتى نوفمبر القادم ، من الذي سيفوز بأصوات أعضاء المؤتمر العام ، وذلك أمر مدهش حقًا ، لأن أي مواطن عادي يعرف أن الكلام مكذوب والدرس مضروب ، وأن مسألة الانتخابات ما هيب إلا تمثيلية ساذجة لأن المرشح معروف ، ونسبة الأصوات التي سيحصل عليها مضمونة ، الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل : لماذا يحتقرنا الرجل ويسئ الظن بنا إلى ذلك الحد .. وما علاقة ذلك بالخبرة التي اكتسبها إبان عمله في المخابرات العامة .
الثلاثاء, 31 يوليو, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











سؤال مهم من مفكر مهم
يدل على تعالى البعض على البعض