السعادة
مدونة السعادة مناقشات حرة وجادة تهتم بالشأن العام

فرصة تاريخية لتسوية.. أم عملية استدراج نحو مصيدة جديدة؟ ..د. حسن نافعة .. المصري اليوم

ساد جو من التفاؤل أثناء الزيارة الأخيرة التي قام بها لإسرائيل كل من أحمد
أبو الغيط، وزير خارجية مصر، وعبد الإله الخطيب، وزير خارجية الأردن، حول إمكانية التوصل إلي تسوية نهائية للصراع العربي ـ الإسرائيلي خلال فترة زمنية معقولة.
جو التفاؤل هذا عكسته تصريحات عديدة ـ أدلي بها ممثلون رسميون عن جميع الأطراف بمن في ذلك الطرفان الأمريكي والإسرائيلي ـ أجمعت علي وجود فرصة تاريخية لتسوية حقيقية يرغب الجميع في انتهازها وعدم تركها تفلت أو تضيع هذه المرة.
ولإضفاء قدر من المصداقية علي هذا الجو المفعم بالتفاؤل لم تنس الصحف الإسرائيلية أن تنشر تقارير تفيد بأن لدي إسرائيل الآن خطة جاهزة لتسوية نهائية تنسحب بموجبها من ٩٠% من أراضي الضفة الغربية مع استعداد للتعويض عن النسبة المتبقية من خلال عملية تبادل للأراضي، وربط الضفة بقطاع غزة بنفق تحت الأرض، وأخري تفيد بأن إعلانا بمبادئ التسوية بات جاهزاً للتوقيع عليه قبل البدء في مفاوضات ثنائية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، يعتقد كثيرون أنها باتت وشيكة.
غير أن أكثر التصريحات تفاؤلاً وتحديداً جاءت علي لسان محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، والذي نقلت عنه صحف عربية وأجنبية قوله يوم الجمعة الماضي «إنه يتوقع التوصل إلي تسوية نهائية مع إسرائيل خلال عام»، وأن الرئيس الأمريكي «طالب إسرائيل بالعمل علي إنهاء التسوية» خلال تلك الفترة الزمنية الوجيزة.
وقبل أن أدخل في صلب الموضوع الذي أرغب في طرحه اليوم، أود أن أذكر الجميع بأنني لست ضد تسوية للصراع العربي- الإسرائيلي تقوم علي:
١- انسحاب إسرائيل إلي حدود ٤ يونيو ١٩٦٧.
٢- إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة داخل حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ٦٧، تتساوي في الحقوق و الواجبات وتتعايش في سلام مع إسرائيل، وفقا لالتزامات أمنية متبادلة وضمانات دولية متكافئة للطرفين.
٣- عودة اللاجئين الفلسطينيين إلي ديارهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم، وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٩٤. ومعني ذلك أنني لا أعارض تسوية تتفق، نصاً وروحاً، مع جوهر المبادرة العربية التي يقال إن التفاوض يجري علي أساسها هذه الأيام.
غير أنني أود في الوقت نفسه أن أذكر الجميع بموقفي الذي أكدت فيه مرارا وتكرارا أن تسوية من هذا النوع لا تعد منصفة أو عادلة بالضرورة، لأن العرب يقدمون بموجبها تنازلات أكبر بكثير مما تقدم إسرائيل. ففي مقابل العودة إلي حدود ٦٧ تحصل إسرائيل علي اعتراف بها وتطبيع عربي كامل معها، وهو أمر يفوق أكثر أحلامها جنوحا قبل عام ٦٧، كما سبق لي أن أكدت مرارا وتكرارا أن إسرائيل لا تبدو جاهزة بعد لتسوية علي هذا الأساس رغم كونها غير منصفة بالنسبة للعرب لأنها تعتقد أن بإمكانها فرض تسوية علي العرب بشروط أفضل من وجهة نظرها.
لذلك فعندما يقول مسؤولون عرب إن فرصة تاريخية جديدة لتسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي باتت متاحة، وعندما يقول عباس إنه يتوقع إتمام تسوية نهائية للقضية الفلسطينية في غضون عام، فمعني ذلك وجود واحد من احتمالات ثلاثة،
الأول: أن تكون إسرائيل قد غيرت من مواقفها المعلنة وقبلت بالمبادرة العربية أساسا للتسوية بعد طول ممانعة.
والثاني: أن يكون طرفا الصراع قبلا تقديم تنازلات متبادلة ومتكافئة تسمح بحل وسط يلبي احتياجاتهما معا،
والثالث: أن تكون الأطراف العربية قد قبلت تقديم تنازلات جديدة من جانب واحد.
ولأنني أستبعد الاحتمالين الأول والثاني فلم يبق سوي الاحتمال الثالث، وإن كنت أعتقد أن التنازلات العربية المقدمة من جانب واحد ربما تؤدي إلي «تحريك العملية السياسية»، ولكن ليس بالضرورة، للتوصل إلي تسوية مقبولة.
والواقع أنني كنت قد ترددت في كتابة هذا المقال حتي لا أبدو كمن يحاول أن «يقذف بكرسي في الكلوب»، كما يقول المثل العامي المصري، لإفساد بهجة المتأهبين للاحتفال بتسوية يقولون: إنها باتت علي الأبواب أو في متناول اليد.
ولأنني أدرك يقيناً أن شروط التسوية الحقيقية لم تتوافر بعد، بل لا تلوح حتي في الأفق، وإن إقدام عباس علي التوقيع علي اتفاقية جديدة قد يكون بداية لمرحلة أسوأ مما هو قائم حاليا، مثلما ثبت من قبل أن التوقيع علي أوسلو كان بداية لمرحلة أسوأ مما كان قائما قبلها، فقد فضلت، إرضاء لضميري الرافض للمشاركة في عملية مبيتة لبيع الأوهام تبدو محفوفة بالمخاطر، أن أقول كلمتي وأمضي حتي لو ظهرت بمظهر من يسبح ضد التيار.
لقد سبق لي أن عبرت، فور التوقيع علي اتفاقية أوسلو، عن قناعتي بأن اتفاقية لا تنص علي وقف الاستيطان وقفا كاملا ليس لها سوي معني واحد، وهو أن الفلسطينيين لن يجدوا ما يتفاوضوا عليه حين يحين أوان الحديث عن قضايا الحل النهائي، وأظن أن الأيام أثبتت أنني لم أكن علي خطأ. أما اليوم فلا أتردد، والحزن يعتصر قلبي، في التعبير عن قناعتي بأن توقيع عباس علي تسوية نهائية مع إسرائيل في ظروف الانشقاق الراهن في صفوف الشعب الفلسطيني لن يؤدي إلا إلي نتيجة واحدة وهي تمهيد الطريق لحرب تستهدف تصفية حماس دون مقابل يذكر. وفي تقديري أن إسرائيل لن تمنح عباس دولة قابلة للحياة أو سيادة فلسطينية علي المسجد الأقصي أو عودة اللاجئيبن، وهي شروط لا يمكن بدونها تسوية مقبولة من الشعب الفلسطيني، حتي في حال نجاحه في تصفية حماس، ولو كان لديها النية لقامت به من قبل. وكم أتمني أن أكون مخطئا.
لست قارئاً للكف ولا حاجة بي لمطالعة عوالم الفلك والنجوم لإدراك أن المنطقة ربما تكون مقبلة علي كارثة جديدة، ربما تكون أكبر من كارثة أوسلو، وإنما تكفي قراءة واعية لدلالة أحداث الماضي القريب.
فدرس «كلينتون ـ عرفات ـ باراك» في كامب ديفيد عام ٢٠٠٠ ما زال ماثلا في الأذهان ويذكرني ببعض جوانب ما يجري حاليا، حيث يبدو بوش، ولأسباب تبدو مختلفة تماما، متلهفا للتوصل إلي تسوية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي قبل نهاية ولايته الثانية مثلما كان عليه حال كلينتون قبيل نهاية ولايته الثانية أيضا.
صحيح أن بوش لم يقم باستدعاء أولمرت وعباس إلي كامب ديفيد جديدة، مثلما فعل كلينتون مع باراك وعرفات من قبل، لكن هذا الاحتمال لم يعد مستبعدا في مرحلة لاحقة إن قبل عباس دخول مصيدة ربما لا يدري أنها تحاك له.
ومن المعروف أن عرفات كان قد حسم أمره وقرر دخول المصيدة بعد طول تردد، إلا أنه رفض في النهاية أن يلتقط الطعم وأن يوقع علي إملاءات جرت محاولات مستميتة لفرضها عليه. ومع ذلك فالجميع يعلم الآن أنه دفع ثمناً باهظاً لهذا الرفض بعد أن حمل عن عمد مسؤولية ما جري من فشل لمفاوضات كامب ديفيد. واليوم لا يبدو عباس متلفها فقط لدخول المصيدة، لكنه ربما يكون متحمساً أيضا لالتقاط الطعم.
لا أري من جانبي علامة تشير إلي أن موقف إسرائيل من قضايا الحل النهائي تزحزح قيد أنملة، بل يبدو أنه تراجع كثيرا.
وإذا صدقنا ما نشرته صحيفة هاآرتس الإسرائيلية وأكدت فيه أن أولمرت سوف يقترح علي عباس الانسحاب من ٩٠% من أراضي الضفة، وهي مساحة تقل كثيرا عن تلك التي قيل إن باراك عرضها من قبل (٩٤-٩٧%)، إلا أنه لا يدل علي أن تغييرا قد طرأ علي الموقف الإسرائيلي من المسجد الأقصي. الأخطر من ذلك أن أولمرت قبل التقدم بهذا العرض الرديء في مقابل التزام جامعة الدول العربية تقديم غطاء سياسي لعباس.
ويبدو أن ما يطمح إليه أولمرت الآن، وأظن أن بوش سيعمل جاهدا علي مساعدته في الحصول عليه، هو الحصول علي نوعين من التنازلات يصلحان للاستخدام في دعم موقفه الداخلي المتآكل لصالح نتنياهو.
الأول: مفاوضات مباشرة مع جامعة الدول العربية بالتوازي مع مفاوضاته الثنائية مع محمود عباس والتزام دول عربية تطبيع علاقتها مع إسرائيل قبل إتمام انسحابها من الأراضي المحتلة، والثاني: التزام محمود عباس بالقضاء علي حماس وتصفية وجودها نهائياً في الضفة الغربية، تمهيدا لتصفية هذا الوجود لاحقاً في قطاع غزة.
ولأن إسرائيل لم تتعود أن تقدم شيئاً بالمجان أو حتي مقدما، فالأرجح أنها ستطالب بتصفية حماس قبل أن تفصح عن خططها الخاصة بالانسحاب كاملة، والأرجح أن تكتفي في مرحلة أولي بتقديم وعود هلامية.
وأخشي ما أخشاه أن تكون هذه الوعود مجرد عملية تخدير تسبق إقدام إسرائيل أو الولايات المتحدة أو كليهما معا علي استغلال ظروف التهدئة لتوجيه ضربة منسقة ضد إيران، وربما إيران وحزب الله وسوريا، بالتزامن مع الضربة الموجهة لحماس.
وأعتقد مخلصا أنه لا أمل لتجنب هذه المصيدة إلا بتغيير نهج التسوية المتبع حاليا، وذلك بالعمل علي إعادة ترتيب البيت العربي من الداخل، بدءاً بالبيت الفلسطيني، بدلا من الرهان، الذي لا طائل من ورائه، علي حسن النوايا الإسرائيلية أو الأمريكية.

(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 03 سبتمبر, 2007 10:08 م , من قبل wedaad

موضوع مهم وكل مواضيع الدكتور حسن نافعة مهمة وهو شخصية محترمة


اضيف في 21 سبتمبر, 2007 06:35 ص , من قبل geyoshi

اشكرك على الموضوع


اضيف في 23 سبتمبر, 2007 07:39 ص , من قبل love20072

اشكرك اخى الكريم


اضيف في 23 سبتمبر, 2007 07:40 ص , من قبل love20072

اشكرك اخى الكريم على الموضوع


اضيف في 26 اكتوبر, 2007 05:22 ص , من قبل sama2008

اشكرك على الموضوع




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


; English <