وإذا كان ذلك هو مبدأ الحياة في تصويرها للأحياء من أدناها إلي أعلاها، فكيف بالإنسان الذي جعله الله مسؤولا عما يفعل، لا يشفع له أن يكون قد جري في فعله مجري السالفين؛ وإذن فهي ـ كما قلت ـ حقيقة توشك أن تكون من البدائة الأولية، ألا يكون المقصود بمحاكاة الأواخر للأوائل، محاكاة لا تدع مجالا للإبداع وللإرادة الحرة تختار لتقع عليها تبعة اختيارها.
فماذا نعني حين نوصي المعاصرين بأن يترسموا في سيرهم خطر السالفين؟. ماذا نعني حين ندعو إلي إحياء تراث الآباء ليسري في حياتنا الحاضرة سريان الزيت في الزيتونة؟ ماذا نعني حين نلتمس لأنفسنا طريقا نجمع فيها بين القديم والجديد، بين الموروث والمعاصر؟ ولقد يسهل علي بعضنا أحيانا أن يطالبوا الشاعر في يومنا بأن ينظم علي ما نظم الشعراء الأقدمون، أو أن يحكم القاضي في الناس بما كان يحكم به قضاة الأمس البعيد؛ ولكن ماذا عساهم أن يقولوا في علماء اليوم وبين أيديهم من المسائل والتجارب ما لم يحلم به أحد من علماء السابقين ـ ولست أريد بالسابقين أولئك الذين عاشوا منذ كذا قرنا من الزمان، بل أريد من عاش منهم في القرن الماضي أو الذي سبقه؟ إن حياة الناس اليوم، ليست كلها مركبات لفظية، صيغت شعرا أو نثرا، حتى يسهل علينا أن نطالب المعاصرين بأن يحركوا أقلامهم أو ألسنتهم بمثل ما تحركت عند القدماء ألسنة وأقلام ؛ بل الحياة أبحاث علمية تجري في المعامل، والحياة مكنات يدور تروسها وعجلاتها في المصانع، والحياة نظم في التعليم، ونظم في الإدارة، ونظم في إنتاج السلع وتوزيعها؛ والحياة طائرات وصواريخ، والحياة نقل للأعضاء من بدن إلي بدن، والحياة استزراع الصحراء، بل هي استزراع الهواء وسطح الماء؛ وإن طريق القول ليطول بنا، ولو أخذنا نسرد الأمثلة بالمئات، لنقول ماذا هي حياة اليوم ؛ فكيف يجوز للوهم أن يتوهم بأن حياة العصر يمكن أن تصب بحذافيرها في قوالب السالفين؟
ومع ذلك، فهنالك معني مفهوم ـ نبحث عنه لنبسطه فيصير واضحا بعد إبهام إذا ما طالبنا أنفسنا بإحياء الماضي إحياء يسري به في جسم الحياة الحاضرة؛ وإن ذلك المعني المبهم ليأخذ في الظهور، حين نتصور محاكاة الآواخر للآوائل، علي نحو يجعلها محاكاة في "لاتجاه" لا في خطوات السير؛ محاكاة في الموقف لا مادة المشكلات وأساليب حلها، محاكاة في "النظرة"، لا في تفصيلات ما يقع عليه البصر، محاكاة في أن يكون العربي الجديد مبدعا لما هو أصيل، كما كان أسلافه يبدعون، دون أن تكون الثمرة المستحدثة علي يدي العربي هي نفسها الثمرة التي استحدثها العربي القديم؛ محاكاة في "القيم" التي يقاس عليها ما يصح ولا يصح، كما يأخذ زيد من خالد مسطرته ليقيس عليها قطعة من القماش، بعد أن كان خالد لا يقيس عليها إلا خطوطا علي ورق؛ المسطرة واحدة، وأما المواد المقيسة فمختلفات؛ وهكذا تكون حالنا إذا ما استعرنا من الأقدمين "قيمة" عاشوا بها، ونريد اليوم أن نعيش بها مثلهم، لكن الذي نختلف فيه وإياهم، هو المجال الذي ندير عليه تلك القيمة المستعارة.
الاثنين, 02 نوفمبر, 2009
هي حقيقة توشك أن تكون واضحة بذاتها، ليست بحاجة إلي برهان يقام علي صوابها، لأنها حقيقة يدركها الإنسان بفطرته إدراكا مباشرا، أو تكاد؛ وأعني بها أن الولد إذا أراد أن يحيا علي نهج والده، فهو لا يطالب أن تجئ المحاكاة قولا بقول وفعلا بفعل، فذلك في منطق الحياة ضرب من المحال، فشجرة الورد تجئ علي صورة شجرة الورد التي سبقتها، لكنها لا تجئ مطابقة لها مطابقة كاملة في فروعها وأوراقها وورودها؛ وإن أصحاب المعرفة بدنيا النبات ليزعمون لنا بأنك لن تجد في ملايين الملايين من وحدات النبات ، ورقتين تطابق إحداهما الأخرى في كل أجزائها؛ وذلك هو سر الحياة في شتي كائناتها: أن يكون لكل كائن علي حدة فردية لا يشاركه فيها كائن آخر؛ فيكفي لاختلافهم اختلاف البصمات.
زكي نجيب محمود
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية











تقبل وجودي هنا
واطلاعي على مدونتك
وسعادتي بقراءة ما فيها
تركي الساير