ولعل الوظيفة الرئيسية للأب, بالإضافة إلى توفيره للحاجات المادية للأسرة, أنه يتيح للأبناء الاقتداء به, الأمر الذي يعتبر حيويا بالنسبة لتكوين شخصيتهم ولتوازنهم النفسي, لاسيما في المرحلة الأولى من طفولتهم. فالطفل يكوّن صورته عن ذاته من خلال تعامل أسرته معه, لاسيما تعامل الأب الذي يشكل بالنسبة إلى الطفل نموذجًا يحاول دائمًا التماهي به والاقتداء بما يصدر عنه من أفعال. وتقليد الطفل لوالده, في حركاته وأقواله وأفعاله, ظاهرة تعرفها مختلف الأسر, الأمر الذي يعكس حاجة الطفل إلى الأب كنموذج لسلوك يحاول أن يتمثله ويتعود على القيام به. ومن هذه الناحية, فإن ما يلاحظه الطفل من سلوك والديه, لاسيما سلوك الأب, يلعب دورًا مهمًا في تكوين شخصيته وفي توازنه النفسي, أكثر من الدور الذي يمكن أن تلعبه النصائح والإرشادات التي يسمعها الطفل من والديه, أو من معلميه أو من أي مصدر آخر. ولا يمكن لأي شخص آخر, سواء كان الأم أو الأخ الأكبر أو أحد الأقارب, أن يقوم بالوظيفة نفسها التي يقوم بها الأب, فحتى الأم, مهما بلغت من قوة الشخصية ومن القوة الاقتصادية, لا يمكنها أن تكون أمًا وأبًا في آن معًا.
بالإضافة إلى ذلك, يعتبر الأب بالنسبة للطفل هو (المشرّع) إن صح التعبير, فهو الذي يضع الحدود بين ما يجب أن يقوم به الطفل, وما يجب ألا يقوم به. ومن خلال تدخل الأب في سلوك الطفل يدرك الطفل معنى القانون والواجب, وبالتالي يعدُّ للتكيف مع الحياة داخل المجتمع, على اعتبار أن ذلك يشترط التزام الفرد بسلسلة من القواعد والأعراف التي دونها يتحول سلوك الفرد إلى انحراف يدينه المجتمع ويعاقب عليه.
إن الأب, يعتبر بالنسبة للطفل مصدرا للأمن والحماية. ومما لاشك فيه أن غيابه المادي أو المعنوي يحدث اضطرابا في حياة الطفل. ويتجلى ذلك في مشاعر الخوف والقلق التي تنتاب الطفل بين الحين والآخر, لاسيما أثناء النوم, أو على شكل أعراض (نفسية - جسدية) (قضم الأظفار, تبول لاإرادي, عدم التركيز, كثرة النسيان, الميل للعزلة...إلخ), أو على شكل تغير مفاجئ في السلوك لم يكن معروفًا قبل غياب الأب. وكثيرًا ما تكون هذه الأعراض النفسية والسلوكية بمنزلة خطاب لاشعوري موجه للأب إذا كان لايزال على قيد الحياة, أو موجه للآخرين للاهتمام بما يعانيه الطفل نتيجة غياب الأب.
ويتحدث العالم الأمريكي (بتلهايم), استنادًا إلى حالات قام بعلاجها, عن اضطرابات نفسية تظهر على الأطفال الذين يعانون من غياب الأب في حياتهم. وقد يستمر تأثير هذا الغياب للأب إلى ما بعد الطفولة, وربما يستمر مدى الحياة. فالابن, عندما يكبر, قد يصعب عليه أن يقوم بدور الأب أحسن قيام, إذا حرم في طفولته من الأب. لذا يقول المحلل النفسي (برنار تيس): (لكي تكون أبًا لابد أن تكون ابنا في السابق. وكذلك البنت, فإنها قد تنتظر من زوجها أن يقوم بدور الأب الذي حرمت منه. وأحيانا تعبر عن ذلك بميلها إلى الزواج من رجل متقدم في السن بديلا عن الأب الذي حرمت من عطفه وحنانه في طفولتها.
أمهات...ولا آباء
تتكرر في مجتمعاتنا حال الأطفال الذين اضطرتهم الظروف إلى أن يعيشوا مع أمهاتهم بعيدين عن آبائهم. وفي حال الطلاق أو الهجر غالبًا ما تحاول الأم إلقاء اللوم على الأب على مرأى ومسمع من الطفل, بل قد تحاول تشويه صورة الأب في نظر الطفل بأن تصفه بصفات سلبية, وأحيانًا تكيل له الشتائم وتحمّله مسئولية ما تعانيه, خاصة أن الزوجة المطلقة تميل إلى الشكوى تنفيسا عن حال الإحباط التي تعيشها. وتنسى الزوجة في هذه الحال أن مَن تشوّه صورته في نظر الطفل كان زوجها, وأنها قبلت به واختارته لما كانت تعتبرها صفات إيجابية يتميز بها عن غيره. كما تنسى أن الصورة المشوّهة التي تقدمها عن الأب تتعارض مع الصورة التي كانت تقدمها عن الأب قبل الطلاق..
فقال الإبن : يا أمير المؤمنين ؛ أليس للولد حقوق على والده ؟؟
قال : بلى ، قال : ماهي ؟؟
فقال عمر : أن يحسن اسمه ، وينتقي أمه ، ويعلمه تلاوة القرآن . فقال
الإبن : إن أبي لم يفعل شيئاً من هذا؛ أما أمي فكانت من المجوس ، وأما
اسمي فقد سماني جعلا (وهو اسم حشرة سيئة من الحشرات) ثم إنه لم يعلمني حرفاً واحداً من كتاب الله عز وجل . فالتفت عمر إلى أبيه وقال: لقد جئت تشكو إليّ عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك ، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك
أضف تعليقا
من المغرب

السلام عليكم اخي الفاضل الاستاذ الراقي سعيد
مقال راقي بموضوعه الجاد الهادف
بورك فيكم وفي رقي قلمكم
لكم كل الاحترام والتقدير
أمة الله**بلا أوهام**
من ليبيا

اخي العزيز و الفاضل
مشكور علي المقال الاكثر من رائع
و اتمني ان يعمل بهذه الامور في المجتمع
تحياااتي لك من كل قلبي
اختك في الله ... تاايااا
من الأردن

الاخ العزيز
اشكرك على دعوتك لي هنا برد سرني الموضوع وراقني كثيرا لانه يعالج ركنا اساسيا من اركان الاسرة اينما كانت ..فالاب والام هما الركنان للاسرة ..ولكل منهما دورا بارز في حياة الاسرة بجميع مكوناتها ...
ان شخصية الاب وثقلفته وفكره وكذلك ثقافة الام وفكرها يلعبان دورا مهما في تنشأة شخصية الاطفال سواء ذكورا او اناثا ... وفي نفس الوقت على الاب ان يكون تعامله بطريقة عصرية في كيفية التعامل الابتعاد عن اسلوب الترهيب دوما او الدكتاتورية على الاب ان يكون صديقا لاطفاله واسرته لا ان يكون متسلطا يتللذذ في عقابهم كما يفعل الكثير الكثير ..
موضوعك جميلا وما ورد فيه يستحق القراءة والثناء
من سوريا

مساء الخير
موضوع مفصلي في حياة الاسرة انطلاقا الى المجتمع
الاب رمز للاستقرار والعطاء والنظام والالتزام والجدية بالبيت وطبعا كل ذلك لايمنع اطلاقا انه حنون ورؤوف
ولكن النقطة الاهم بمقالتك ان سمحت لي
فهي الصورة التي ترسمها الام المطلقة للاب امام الابناء انها ترتكب خطأ ان لم تكن جريمة بحق ابنائها حين تحاول ان تخلص ثارها من الاب بتشويه صورته امامهم انها بالواقع تشوه نفسية ابناءها وتحث خلل في شخصيتهم ونظرتهم للمستقبل انها تنتقم من الابناء لا من الاب
الموضوع شائك طرحته باسلوب جميل واضعا يداك على
مجمل نقاطه
سلمت يداك
تقبل مروري
من مصر

السلام عليكم
اخى الكريم
موضوع متكامل وشيق
الاب هو الجندى المجهول
بارك الله فيك
اختك شيماء
السلام عليكم
موضوع جميل جداً اشكرك اخي
على هذه الكلمات الراقية
تقبل مروري وتحياااااااااااااااااااااااتي الخالصة
محمــــــــــــــــــــد
الاخ خالد
بارك الله فيك
واشكر زيارتك وتعليقك
ودمت بكل خير
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
















من فلسطين
موضوع شيق
وفيه الخير ان شاء الله تعالى
والخلافه الاسلاميه قادمه
ان شاء الله تعالى
ولنعمل معا لسماء2018