السعادة
مدونة السعادة مناقشات حرة وجادة تهتم بالشأن العام

الإفلاس في الإعلام العربي..الفضائيات العراقية نموذجا

كثر الحديث عن القنوات الفضائية العراقية التي امتلأ بها فضاء العراق بعد الاحتلال بشكل لافت للنظر وباعداد جعلت الكثيرين سواء اهل الاختصاص ام غيرهم يتساءلون عن هذه الظاهرة التي لم يكن لها سابقة في بلد مماثل ؟
وقبل ان نجيب عن هذه التساؤلات لابد من الاشارة الى ان العراق كان اول من اطلق البث التلفزيوني في المنطقة العربية، الا انه من اخر تلك الدول التحاقا بالبث الفضائي؛ حيث اطلق قناة العراق الفضائية في 17/7/1997 الا ان هذه القناة لم يكن متاح لكثر العراقيين مشاهدتها فضلا عن القنوات العربية وغير العربية بسبب منع اقتناء اجهزة استقبال البث الفضائي من قبل النظام السابق ومعاقبة المخالف بالسجن لمدة ستة اشهر وغرامة مالية تصل الى ثلاثمائة الف دينار عراقي اضافة الى مصادرة الجهاز .
فبقي الفرد العراقي يعيش في عزلة عن اخبار العالم وعما يجري حوله خاصة وان التحضيرات كانت على قدم وساق للحرب على العراق وقبلها كانت قضية فرق التفتيش المكلفة بتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية .
كل تلك الاحداث والتطورات كانت بعيدة عن مرآى ومسمع الشعب العراقي الذي كان متعطشا لكل جديد يمكن ان يحمل له بصيص امل للخروج من النفق وانتهاء الازمة .
هذا التعطش جعله يتلقف اجهزة البث الفضائي التي امتلأت بها الاسواق العراقية بعد الغزو مباشرة لمحاولة ملء الفراغ الذي خلفه غياب اي وسيلة لمعرفة الاخبار بعد تدمير مبنى التلفزيون العراقي والفضائية العراقية .. ومتابعة تطورات الاحداث بعد الغزو وما الذي سيؤول اليه مصيرهم كشعب محتل.
في هذه الاثناء كانت احزاب المعارضة التي ساهمت بشكل فاعل في التخطيط والتحضير وحتى المشاركة الفعلية في هذا الغزو، كانت قد بدأت بالدخول الى العراق سواء على ظهور الدبابات او على متن الطائرات ليس المهم، وانما دخلوا بهذه الطريقة وهي ادلاء واعوان للمحتل على بلدهم ، وقد اخذوا يستولون على مؤسسات ودوائر الدولة والاموال العامة ، ومنها مبنى الاذاعة والتتلفزيون الذي اصبح بيد الحكومة الحالية يروج لافكارها ويحارب منتقديها في عصر ادعوا انه نهاية الدكتاتورية، وكان ذلك سبيلا لتبديد الاموال بحجة تطوير الاعلام العراقي، فأول عقد تم ابرامه بين الحكومة العراقية وبين قناة LBC اللبنانية لتدريب وتطوير كادر قناة العراقية كان بمبلغ 93 مليون دولار .. ولا تسأل عن المبلغ ولا عن سبب اختيار قناة LBC فضلاً عن غيرها.
بعد ذلك بأشهر قليلة أعلن بأنه ستجري انتخابات لاختيار حكومة مؤقتة في العراق، وكان لزاما كما هو متعارف بأن يعلن كل حزب عن نفسه كمرشح لهذه الانتخابات والترويج لبرنامجه الانتخابي الذي لم يكن له وجود اصلاً، فالنتيجة كانت محسومة مسبقا فلا داعي لاعداد برامج وسياسات ما بعد الانتخابات .
كان ذلك دافعاً لكي يفتح كل حزب او تجمع او كيان سياسي قناة فضائية خاصة به تروج لافكاره وتحسن مظهره امام الشعب العراقي الذي اصبح كمن يشاهد مباراة التنس وهو يكثر الانتقال بين قناة واخرى، خاصة مع ارتفاع وتيرة الصراع والاتهامات بين الاحزاب التي جعلت تلك القنوات منابرلتقاذف فيما بينها .. فأنحرفت مهمة القناة بسب ضغوط القائمين عليها وتحولت من وسيلة للاعلان عن البرامج الانتخابية الى منبر لتقاذف السباب والشتائم وفبركة التهم وتشويه المقابل .. هذا على صعيد الطائفة الواحدة اما على صعيد احزاب الطوائف الاخرى فحدث ولا حرج .
فعلى سبيل المثال فان قناة الفيحاء التابعة للمجلس الاعلى والتي بدأت بثها في فترة مبكرة بعد الاحتلال مباشرة وكانت تتخذ من امارة عجمان في دولة الامارت العربية المتحدة مقرا لها ، انتهجت منهج التشهير والسب والشتم والنيل من الرموز الوطنية المناهضة للاحتلال ومحاولة تلفيق التهم التي اعتقدت مخطئة انها ستنطوي على ابناء الشعب العراقي الذي مل من هذه اللاعيب ولم تعد تنطلي عليه . فقد عكفت على بث برنامج اسمته ( الارهاب في قبضة العدالة ) تُظهر فيه ما كانت تطلق عليهم انهم الارهابيون الذين يقومون بالعمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال والمدنينين العراقيين.. ويظهر هؤلاء وهم يعترفون امام الكاميرا على افعال وجرائم بحق المدنيين الابرياء وانهم يتلقون هذه الاوامر من قيادات عراقية بارزة معروفة .. هذا ما يظهر على شاشة القناة .
لكن المفاجأة الكبرى حين تعلم ان الاسماء التي يعترف هؤلاء الاشخاص بأنهم قاموا بقتلهم .. لايزالون على قيد الحياة وربما يكون احد (المقتولين) جالسا بجانبك وانت تتابع هذا البرنامج .. وتزول الغرابة وتنكشف الحقيقة حين تلتقي ببعض من تم عرضهم على شاشة قناة الفيحاء وادلوا باعترافاتهم – وقد التقيت ببعضهم – وتسألهم عن تلك الجرائم والشخصيات التي قال بأنه يأخذ الاوامر منهم .. فكانت الطامة حين اخبروني بأن الامر لا اساس له من الصحة وانما كل ما في الامر انهم شباب تم اختطافهم من الشارع من قبل المليشيات المسلحة وبالتحديد ( فيلق بدر ) ويتم مساومتهم على الادلاء بهذه الاعترافات المكتوبة اصلا على ورقة يجب عليك الاطلاع عليها قبل حضور الكاميرا، ويتم ذلك بالتهديد والاكراه عن طريق اعتقال زوجات او اخوات هؤلاء الشباب ويتم تهديدهم، اما الادلاء بهذه الاعترافات او اغتصاب زوجاتهم واخواتهم امام اعينهم .. طبعا امام هذا التهديد لا يجد الشباب بداً من القبول خاصة اذا كانت المكافأة هي الخروج سالماً هو وزوجته واخته .
وكانت قناة العراقية قد نهجت نفس النهج وبثت نفس البرنامج وبنفس الاسم .. حتى اشمأزت نفوس العراقيين وعزفت عن متابعة تلك القنوات ما ادى الى رضوخ تلك القنوات للامر الواقع والغاء البرنامج .. خاصة مع تزايد الاتهامات للحكومة والاحزاب الداخلة في العملية السياسية انتهاج مبدأ المحاصصة الطائفية واعتماد الاقصاء على اساس طائفي .. فعمدت الى رفع شعار المصالحة الوطنية الذي لم ير النور بسبب عدم جدية مدعيه .
هذا الافلاس السياسي اما الافلاس الفني فهو ما سنتحدث عنه في المقال القادم ان شاء الله .

د.عمر راغب زيدان

كاتب واعلامي عراقي

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


; English <